الاثنين، فبراير 18، 2013

نحن الجالسون

الكتابة عن محنة الأسرى الفلسطنيين الأبطال ، في مواجهة معركة الجوع تتطلّب منّا شيئاً من الحيـــاء ، وبعض الخجل أمام أنفسنا أوّلاً ، نحن الجالسون يومياً إلى موائد طعامٍ ما عادت في لائحة أولوياتهم . لا يمكن الكتابة عن هؤلاء ، وأنت قائمٌ لتوِّك من مائدة الغذاء العامرة ، إنْ كنتَ لا ترى الأَسرى ، فعيونهم تراكَ ، حيث هم في زنزاناتهم ، بأجساد وَهِنة ضــاق بها الهَوَان العربي ، وأنهكها الدفاع عن كرامتك . كلُّ كتابة عن معاناتهم ، تحتاج لكي تأخذ مصداقيّة فاجعتها ، إلى أن يكون كاتب المقال ، كما قارئه ، قد خَبِرا الجوع الاختياري الطويل ، وقرَّرا عن مبدأ ، الدخول في زمن قهريٍّ ، لا يُقاس بمقياس الزمن العادي . زمن يتمرَّد على الساعة البيولوجيّة ، التي تتحكّم في تقسيم يوم الإنسان حسب الوجبات الثلاث ، وإقناع هذا الجسد الذي خُلق بلا منطق ولا ولاءٍ سياسي ، بأنّ الواجب أهم من الوجبة ، وبأنّ الكرامة ثمنها المجاعة ، والدخول في غيبوبة الزمن الطويل المفتوح على الوهن ، وعلى الأمراض المزمنة.. وعلى احتمال الموت جوعاً وظمأً . لم أختبر هذا الجوع النبيل الجميــل ، الذي يردُّ به الأسير الأعزل ، إلاّ من جسده ، بتجويع هذا الجسد مَنعاً لإذلاله وتركيعه ولا أدري إنْ كنتُ سأقدر عليه ، لو أنَّ الحياة وضعتني أمام اختباره . لــــذا ، إنْ لم تكن جاهزاً لمواساتهم بالجوع ، ولو يوماً واحداً ، ولا بالامتناع عمّا اعتدت تناوله بين الوجبات من فائض الطيّبات ، فلا تكتب عنهم ، فما عادت لهم عيون تقوى على القراءة . أنت لن تبرِّئ ذمتك بمساندة ذوي البطون الخاوية.. بفائض الكلام ، ولن تُوفي دينك تجاههم بتمجيد الجوع ، والتغنّي ببطولة رجال ، بقدر ظمئهم ، ثملت بدمائهم الأرض العربية . 
أحلام مستغانمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق