الثلاثاء، ديسمبر 13، 2011

تهريب الأطفال جريمة... مَن المسئول عنها ..؟!

تهريب الأطفال جريمة... مَن المسئول عنها ..؟!

كنا في الماضي نسمع عن تهريب الحيوانات والخضروات والفواكه وتهريب القمح والدقيق والسكر وعن تهريب البترول والغاز والديزل ... الخ من السلع والمواد التي تجد طريقها إلى خارج الحدود
ورغم أثرها على الاقتصاد الوطني وارتفاع أسعارها في الداخل وما يشكله من عبء على المواطن إلا إننا كنا نعتبرها ظاهرة عادية توجد في جميع الدول حتى المتقدمة ومن الصعب القضاء على هذه الظاهرة مادام الوضع الاقتصادي هو المحرك لها.. وإن كانت عصابات التهريب تهدف إلى إلحاق الضرر بالاقتصاد الوطني فإنها تهدف إلى الكسب وحصد فارق السعر الذي تجنيه من عمليات التهريب،وأن خطرها مهما كان مؤثراً فإن زواله مرهون بانتعاش الاقتصاد الوطني وإيجاد إستراتيجية للحد من تهريب تلك المواد. نعم.. رغم معاناتنا من هذه الظاهرة إلا إنها ليست مؤلمة وموجعة بقدر ألم ووجع ظاهرة تهريب البشر من أطفال أبرياء وفتيات ساذجات، لأن هذه الظاهرة تمس قيمنا وأخلاقنا ومبادئنا وتصيب مجتمعنا اليمني بمقتل.. وليس هناك مايبررها، كما أنه لم يعد هنالك ما يدعو للتكتم على وجود الظاهرة التي باتت تؤرق المجتمع بأسره بما تشكله من خطر داهم يهدد فلذات الأكباد ويرميهم في دروب الضياع اللامتناهي.. نعم لم يعد هنالك ما يجعلنا نكابر ونرفض الاعتراف بوجود عصابات تصطاد الأطفال وتقتنص الفتيات. مقابل إغراءات وآمال عريضة سرعان ما تتحول إلى محرقة تلتهم أجسادهم دون شفقة أو ورحمة ودون أن يجدوا سبيلاً للنجاة من هذه المحرقة التي أعدت لهم في بلدٍ ليس بلادهم، ووحوش آدمية لا هدف لهم إلا إشباع غرائزهم الشيطانية بأجساد هؤلاء البؤساء.. الذين اعتقدوا أن خلف الحدود هو الفردوس المنتظر، والحياة الجميلة التي يبحثون عنها. نعم.. لا مجال أبداً لإنكار هذه الحقيقة أو التقليل من خطرها في ظل تزايد ضحاياها، فخلال شهر أكتوبر تم ضبط أكثر من 20 طفلاً وطفلة أثناء محاولة تهريبهم عبر منفذ حرض الحدودي كما تم ضبط عدد من الفتيات تتراوح أعمارهن ما بين «16_20» سنة بحسب تصريحات الجهات الأمنية في منفذ حرض الحدودي.. أيضاً في تعز ألقت الأجهزة الأمنية القبض على عصابة لتهريب الأطفال والمقابل (7000) ريال للرأس.. ونهاية هؤلاء الأطفال والفتيات ممن تم تهريبهم الجميع يعرفها والغرض من ذلك لا يجهله أحد .. فمن المسئول إذاً عن تنامي هذه الظاهرة المفجعة؟ صحيح أن هناك مجرماً أو أكثر ينصبون شراكهم حول فرائسهم مستغلين الوضع المعيشي والتفكك الأسري وسلبية أفراد المجتمع أيضاً.وكل هذا من أجل مبلغ زهيد من المال يحصلون عليه بعد أن يسلموا فرائسهم لجزاريها.. هذا المبلغ الذي يستلمه هؤلاء المجرمون المتاجرون بأبناء وبنات مجتمعهم أقل بكثير مما يحصل عليه غيرهم ممن يقومون بتهريب الحيوانات من «كباش ـ وأجديه ـ وأعجال» وربما حتى الحمير سعرها أعلى من سعر البشر.. معاناة هؤلاء الأطفال والفتيات ممن تم إحباط محاولة تهريبهم تكاد تكون متشابهة، تفكك الأسرة، قسوة الآباء والأمهات،الفقر والظروف الاقتصادية القاسية
والأكيد  أن ظاهرة تهريب الأطفال هي ظاهرة عالمية وقد بدأت تتفاقم في العقود الأخيرة بشكل مخيف مهدده السلام الاجتماعي والمبادئ الإنسانية , ورغم وجود هذه الظاهرة منذ القدم إلا أنها تتصل في زماننا الحالي بالكثير من الشعارات التي أفرزتها الثقافة المعاصرة حول القيم الإنسانية ونبذه الاضطهاد وحماية الطفولة . وتتنوع أسباب وأهداف تهريب الأطفال . فهناك من يهرب الأطفال من مكان إلى أخر للاستفادة منهم كأيد عاملة رخيصة أو للعمل في عده مهن بما فيها التسول أو الأغراض غير أخلاقية .
ومهما اختلفت أسباب هذه التجارة فهي أولا وأخيرا ظاهره خطره ,وقد بدأت تنتشر عالميا بشكل يفوق كل التوقعات كما أن الهدف الأساسي والنهائي لعصابات تهريب الأطفال في المحصلة النهائية كسب المال السريع , فقد أصبحت عائدات هذه التجارة في بعض البلدان تفوق عائدات تجاره المخدرات .
وهناك الكثير من العوامل التي أسهمت في تنمية تجاره الأطفال , ويعتبر الفقر هو العامل الأهم والأساس , فغالبا ما تكون الخيارات المتاحة للعائلات الفقيرة والمعدمة قليلة أو منعدمة , فيتم اتخاذ القرار بتسليم طفل إلى وسيط من دون مراعاة النتائج أو التفكير في الثمن الذي سيتم دفعة في المستقبل , ويشكل نقص الدعم الاجتماعي من قبل الدولة والمجتمع مصدرا أخرا للاتجار بالأطفال الذين يؤمنون الدخل للأكبر سنا .
وبالنسبة لليمن فان تجاره تهريب الأطفال إلى المملكة العربية السعودية أضحت ظاهره معروفة ومتفاقمة في العاملين الماضيين , حيث حاولت الحكومة إيجاد حلول لها تدخلت فيها منظمة اليونيسيف وصندوق الأمم المتحدة للأمومة والطفولة.
وتعد محافظة حجة وتليها محافظة المحويت من أكثر المحافظات التي تنتشر فيها ظاهره تهريب الأطفال , وبالإضافة إلى تهريب الأطفال إلى المملكة العربية السعودية الذي تحدثت عنه عده تقارير , فقد كشف تقرير أخر أعده مشروع عمالة الأطفال – عن وجود عدد كبير من الأطفال في محافظة حجة يجري استغلالهم في عمليات منظمة للتهريب وبالذات لتهريب ماده ( الدقيق ) عبر الحدود المشتركة بين المملكة العربية السعودية وبلادنا حيث تتم هذه العملية تحت جنح الظلام وتستمر طوال الليل بواسطة الحمير في ظل خطورة ووعورة الطريق والجبال التي يسلكها الأطفال العاملون أثناء عملية التهريب حيث يقوم الأفراد المستفيدون مثلا بشراء كيس الدقيق بسعر 13 ريال سعودي بما يعادل (676) ريال يمنى ثم يقومون ببيعة في مدينة حرض (نقطة الحدود) بما يعادل 2000 ريال ويعطي كل طفل  100 ريال عن كل كيس يتم نقله وهو ما يشجع الطفل على نقل اكبر كمية من الدقيق للحصول على اكبر فائدة خاصة وقد دفعتهم أسرهم  للعمل مع أولئك الأشخاص الذين يعملون على إغرائهم نظير أجور زهيدة استغلالا لحالة الفقر والظروف المعيشية التي تعاني منها تلك الأسر وفي ظل ظروف تتنافى مع ابسط قواعد الحقوق الإنسانية .
وفي أطار التعامل مع الظاهرة فقد قامت النيابة العامة بالتحقيق في قضايا تهريب الأطفال بمحافظة حجة خلال الأعوام السابقة وخصوصا عام 2005م وتعاملت مع أكثر  من 25 قضية , تراوحت أعمار الأطفال المهربين بين السابعة والثالثة عشر عاما .
وأوضحت الدراسة التي أعدها المركز اليمنى للدراسات الاجتماعية وبحوث العمل التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل  بالتنسيق مع منظمة اليونيسيف عن ظاهره تهريب الاطفال في كل من محافظة حجة والمحويت أن 59.3% من الأطفال المرحلين هم من مديرية حرض بمحافظة حجة التي يمر عبرها معظم حركة النقل بين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية فمن خلال اللقاءات مع الاطفال الذين تراوحت أعمارهم بين الـــ 14و15 عاما تبين أنة من بين 59 حالة كانت بينهم فتاتان فقط واغلبهم تسربوا من الدراسة لقلة الموارد المالية وضعف الوعي الاجتماعي بأهمية التعليم إضافة للمشاكل الأسرية وللفرص المتاحة لسفرهم إلى المملكة العربية السعودية.

كما تبين من خلال الدراسة الميدانية للمركز اليمنى للدراسات الاجتماعية وبحوث العمل 2004م أن العوامل الكامنة وراء ظاهره التهريب تتمثل في مايلي :
* ) الأسباب الرئيسة :

 أسباب مرتبطة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي من أهمها :
-         ) الفقر وسؤ الحالة المعيشية ومحدودية الدخل لأسر الاطفال ضحايا التهريب .
-         ) انتشار الأمية والبطالة بين هذه الأسر .
-         ) ضعف الخدمات الأساسية في المناطق الأكثر فرزا للأطفال ضحايا التهريب ( التعليم – الصحة – الطرقات _ المياه _ الكهرباء )
-         ) مشاكل العنف والطلاق والتفكك الأسري.

·       ) الأسباب الأخرى المساهمة في انتشار المشكلة :

ساهمت بعض الأسباب الأخرى في انتشار وتفاقم هذه الظاهرة ومن هذه الأسباب مايلي :
-         ) ضعف الوعي لدى الأسر وأهالي الاطفال وكثير من فئات المجتمع حول المخاطر والمشاكل التي يواجهها أطفالهم إثناء رحلات التهريب .
-         ) النظرة إلى عمالة الاطفال نظره جيده ومقبولة من قبل الأسر والأهالي وتشجيعهم كمصدر رئيسي لدخل الاسره لان دخل الاطفال المهربين في بعض الأحيان يفوق دخل أسرهم.
-         ) عدم وجود نصوص قانونية صريحة تجرم قضية تهريب الاطفال وتحدد عقوبات واضحة ضد المهربين.
-         ) ضعف التنسيق بين الاجهزه اليمنية والاجهزه السعودية حول المشكلة وخاصة في الحدود والمنافذ عند ضبط المهربين والأطفال وعند أعاده ترحليهم .
-         ) ضعف السيطرة على الحدود المفتوحة بسبب طول مساحة الحدود اليمنية والسعودية وعدم  وجود نظام رقابة وتحكم قوي واستخدام المهربين طرق عديدة ومختلفة لتهريب الاطفال.
-         ) عدم وجود مراكز مختصة لاستقبال الاطفال المهربين المعاد ترحيلهم لأعاده إدماجهم وضمان عدم تهريبهم من جديد.
-         ) شحه الإمكانيات المالية المادية التي تعيق الجهات المختلفة المتعاملة مع المشكلة عن القيام بمعالجات مفيدة .
-         ) ضعف مشاركة المجتمع المحلي  في التصدي للظاهرة وأيضا عدم وجود منظمات مجتمع مدني وان وجدت فان دورها لا وزن له في المناطق الأكثر إفرازا للأطفال المهربين.



عسير عبد الرحمن عمرو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق