الثلاثاء، يناير 11، 2011

المرأة ومراكز صنع القرار...!

المرأة ومراكز صنع القرار...! لطالما كانت لمشاركة المرأة في صنع القرار مكانة خاصة في إطار تحليل أوضاعها من منظور النوع الإجتماعى، الذي يهدف إلي تمكين المرأة والرجل وتحقيق المساواة بينهما في الحصول علي الفرص والحقوق المجتمعية، بحيث يشاركان بشكل كامل وفعال في كل العمليات المجتمعية، التي تؤدي إلي تحقيق التنمية الشاملة والتغيير الإجتماعى المطلوب।ويعتبر وصول المرأة إلي المشاركة الحقيقية في صنع القرار تتويجا لكل آليات إدماج النوع الإجتماعى في المجرى الطبيعي للمجتمع في إطار عمليات تسييره وتطويره إلي الأفضل।ومن ناحية أخري يعتبر صنع القرار آلية يرتبط وجودها ارتباطا عضويا بكل الوحدات الإجتماعية بدءاَ من الأسرة وهي الخلية الأولي في المجتمع، إلي كل المؤسسات الإجتماعية الأخرى وصولاَ إلي الدولة ممثلة في مؤسسات الحكم। ولا تختلف مفردات هذه الآلية من مؤسسة إلي أخري اجتماعية كانت أوإقتصادية أوسياسية أوثقافية ، فردية أوجماعية.ففي كل الظروف تقوم الحاجة لاتخاذ قرار ما يهدف إلي تحقيق نتائج معينة لها مبرراتها من وجهة نظر صانع القرار. وفي حالة القرارات التي تؤثر نتائجها علي دائرة أوسع من صانع القرار نفسه فإن نجاحها في تحقيق الأهداف المرجوة يرتبط ارتباطا وثيقا بمشاركة المستهدفين من نتائج هذا القرار. حيث يضمن ذلك من ناحيةº توفر قاعدة معرفية ومعلوماتية أكثر اتساعا وأكثر تعبيرا عن مبررات الحاجة إلي صنع القرار وإلي النتائج المرجوة من وجهة نظر الفئات المستهدفة. ومن ناحية أخرىº تؤدي المشاركة إلي شعور المشاركين بملكيتهم للقرار، ومن ثم الاقتناع به وقبوله والعمل علي تطبيقه بالشكل الذي يحقق الأهداف المرجوه. ولذلك فإن المشاركة في صنع القرار هي الآلية المثالية لإنجاحه على كل المستويات المجتمعية. ولما كانت هذه المشاركة هي الوضع المثالي فقد قامت حولها العديد من النظريات التي تعني بالديموقراطية والحرية والعدالة الإجتماعية في أشكالها المختلفة، والتي تفسر من خلال هذه الرؤى والنظريات نجاح أوفشل المؤسسات والعمليات الإجتماعية في تحقيق أهدافها، بدءاَ من الأسرة بإعتبارها الخلية الإجتماعية الأولي وحتي التنمية الشاملة التي تشمل كل ما ومن يعيش في المجتمع. علي أن الواقع الإجتماعى القائم منذ بداية التاريخ علي إختلاف المصالح وتناقضها . ومن ثم علي صراع القوى الإجتماعية المختلفة لا يسمح عادة بتطبيق هذا الوضع المثالي، حيث تتشكل علاقات قوى غير متكافئة في إطار آليات صنع القرار في شكل أقرب إلي الاحتكار من قبل القوى المسيطرة علي المؤسسة أوالخلية الإجتماعية المعنية، أوالسماح بقدر ضئيل من المشاركة التي قد تكون شكلية في كثير من الأحيان. فصاحب القرار دائماَ هو الأقوى في إطار تقسيم العمل الإجتماعى الذي يمنحه السيطرة علي الموارد وآليات التعامل معها وتوزيعها. ودائماَ ما يفرز المجتمع الأطر الثقافية التي تبرر هذا الاحتكار وتكرسه وتبشر به وكأنه النمط الطبيعي للأمور. غير أن التاريخ يشهد علي أن المجتمعات الإنسانية ليست ساكنة ولكنها تتسم بالديناميكية والتغير عبر أشكال تنظيمية مختلفة يصنعها الإنسان عبر صراعه مع الطبيعة ومع أخيه الإنسان من اجل البقاء والتطور. ولكل شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي عبر التاريخ القوى الإجتماعية ذات المصالح المتعارضة والتي تصارع من اجل السيطرة علي القوى الاجتماعية الأخرى من اجل تحقيق مصالحها. وفي هذا الإطار يتغير صناع القرار من حقبة إلي أخري ومن كان يسيطر في لحظة تاريخية معينة قد يصبح خاضعاَ في لحظة أخرى. ومن هنا يمكننا الاعتماد علي مقولة " لا نهاية للتاريخ الإنساني إلا بفناء الإنسان". وتشهد اللحظة التاريخية التي نعيشها تزايد الاقتناع بأن المجتمعات الإنسانية لا يمكن أن تقوم، أوتستمر أوتتطور إلا بتعاون نصفي القوى البشرية في المجتمع، أي النساء والرجال، علي أساس من المساواة في الحقوق وفي الحصول علي الفرص المجتمعية وفي السيطرة علي الموارد وتوزيعها. ويستلزم كل ذلك تغيير الواقع الإجتماعى السائد الذي يقوم علي تقسيم العمل علي أساس النوع في إطار من عدم التكافؤ في علاقات النوع لصالح الذكور في المجتمع، مما أدى إلي وجود آليات مجتمعية تساهم في إستبعاد النساء، كقاعدة عامة، من الحصول علي الفرص والحقوق المجتمعية، والذي أدي بدوره إلي إفقار قدراتهن علي المشاركة في صنع القرار. ورغم أن لهذه القاعدة العامة كثيراَ من الاستثناءات إلا أن تأثيرها مازال هامشياَ وأضعف من ان يؤدي إلي إدماج المرأة في المجرى الطبيعى لحركة المجتمع بحيث يكون لها نصيب مساوى لحجمها من حيث التأثير في القرارات والسياسات التي تؤثر علي أوضاعها وأوضاع المجتمع بشكل عام. ورغم إختلاف النظم السياسية العربية، ومن حيث الهامش الديموقراطي المتاح ومن حيث الحقوق الممنوحة للمرأة في كل من هذه المجتمعات والمستوى الذي وصلت إليه قدرتها علي المشاركة، ومن حيث توافر المؤسسات الدستورية والتشريعية التي تحدد آليات صنع القرار من عدمه، فما زالت عمليات صنع القرار في العالم العربي تتسم بسمات . ومن المهم هنا التنويه بأن تمكين المرأة من المشاركة في صنع القرار هوعملية مستمرة ذات حلقات مترابطة بدءَ من الأسرة حتي اعلي مراكز صنع القرار في الدولة، ومروراَ بمؤسسات المجتمع المحلي والقومي، الحكومية أوغير الحكومية. ولذلك فإن وجود آليات إستبعاد المرأة من المشاركة في صنع القرار في أي مستوى من تلك المستويات من شأنه أن يعوق مشاركتها في المسويات الأعلى. كما أن تهميش المرأة وحرمانها من المشاركة الحقيقية في إتخاذ القرارات في داخل الأسرة أي المجال الخاص، سوف يؤدي بالضرورة إلي تعويق مشاركتها الفعالة في المجال العام الذي مازال كقاعدة عامة حكراَ علي الرجال. ومن هنا يمكننا القول بأن الديموقراطية تبدأ من المنزل / الأسرة، ولا يمكن أن توجد ديموقراطية المشاركة في مجتمع تقهر فيه النساء وتستبعد من عمليات صنع القرار.

عسير عبد الرحمن عمرو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق